حسن بن موسى القادري
287
شرح حكم الشيخ الأكبر
والاعتزال ) « 1 » أيّ : زينة الأبدال وصفاتهم وما به صاروا أبدالا أربعة أشياء اثنان فاعلان وهما الجوع والعزلة عن الناس ، والآخران منفعلان وهما السهر المنفعل عن الجوع ؛ لأنه المولد له ، فإذا حصل سرى السهر إلى القلب فيسهر عينه أيضا ، والصمت المنفعل عن العزلة ، فإن من لوازم العزلة السكوت ، فعلى هذا ينبغي تقديم الجوع ، ثم العزلة ، ثم السهر ثم الصمت ؛ لأن الفاعل قبل المنفعل عنه ، بل الأولى في الترتيب أن يذكر الجوع ، ثم السهر ، ثم الصمت فتأمل . إلا أن المقصود بيان ما هو حليتهم مع قطع النظر عن رعاية المناسبة في الترتيب ؛ لأن غرض المحقّق أداء المعاني ، ولا يبالي بتصحيح مبانيها وتنظيم عباراتها ، وتحصل من هذه الأربعة أربعة : معرفة اللّه ، ومعرفة النفس ، ومعرفة الدّنيا ، ومعرفة الشيطان ، وبها تسهل عليه خمسة أشياء باطنة وهي : الصبر والعزيمة والصدق واليقين والتوكل والمجموع تسعة هي أمهات الخير كله . وقال الشيخ قدس سره في « فتوحاته المكية » في الباب الثالث والخمسين : ( أنه يجب على كلّ من لم يكن له شيخ أن يعمل بهذه الأمور التسعة حتى يجد له شيخا في الظاهر أو الباطن ) ، وبيّن فيه كل واحد منها ولا يسع هذه الصحيفة ذلك البيان لطوله . ونحن نبين هذه الأربعة المذكورة هنا على ما هو المذكور في الفتوحات ، فالعزلة هو أن يعزل كل صفة مذمومة ، وأن لا يتعلق قلبه بأحد من خلق اللّه ، بل كان همّه واحدا
--> - للناس ما عندكم من الموافقة كما يظهرون بالمخالفة ، وأظهروا ما أعطاه اللّه من نعمه الظاهرة : يعني خرق العوائد ، والباطنة : يعني المعارف . فإن اللّه تعالى يقول : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] ، وقال رسوله عليه السلام : « التحدّث بالنعم شكر » انتهى . هذا ما أردت إيراده من كلامه ، وقد ذكر طوائف كثيرة رضي اللّه عنهم ، وذكر أن جميع هذه الطوائف قد يكون فيهم نساء ، لكن يغلب ذكر الرجال عليهن انتهى . ( 1 ) قال السري رضي اللّه عنه : أربع من أخلاق الأبدال : استقصاء الورع وتصحيح الإرادة وسلامة الصدر للخلق ، والنصيحة لهم ، وأربع خصال يرفع اللّه بها : العلم والأدب والدين والأمانة .